قراءة في رواية مقتل بائع الكتب للكاتب العراقي الراحل سعد محمد رحيم ..  محمد الحديني

شارك مع أصدقائك

Loading

قراءة في رواية مقتل بائع الكتب للكاتب العراقي الراحل

سعد محمد رحيم

 محمد الحديني

 

“عجوز يصعد سلما رفيعا إلى الغيوم، يحمل على ظهره كيسا كبيرا محشوا بالكُتب.. الكُتب تتساقط من الكيس.”

ربما بحكم بعدي المقصود عن الرواية قراءة، وغير المقصود كتابة في السنتين الأخيرتين ، جعلني غير ملم لحد كبير بأخبارها وأخبار جوائزها وفائزيها، فما يتوافر لدي من معلومات وأخبار لا يزيد عن المقدار العادي الذي قد تسمح به الصدفة. ومن ثم، فعندما شرعت في قراءة ( مقتل بائع الكتب ) لم أكن أعلم أنها وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، ولعل في ذلك فائدة كي أنأى بنفسي عن أية رواسب مسبقة قد تعلق بذاكرتي ومن ثم تؤثر على انطباعي عن الرواية بعد إتمامها.

 

أول ما جذب انتباهي للرواية وبصراحة، عدد صفحاتها، فأنا من أصحاب النفس القصير قراءة وكتابة.. ٢١٩ صفحة!!!! رائع جدا لدودة قراءة مثلي استطاعت أن تلتهمها كلها في جِلسة واحدة.

الرواية تتناول مكالمة تليفونية يتلقاها صحافي شاب اسمه ماجد البغدادي من شخص مجهول،يطلب منه أن يقتفي أثر جريمة قتل بائع كتب في مدينة بعقوبة اسمه محمود المرزوق، وأن يكتب عنه كتابا يتناول سيرة حياته.. وفي نظير ذلك، سيدفع هذا الرجل الغامض المجهول للصحافي مبلغا مغريا من المال ربما يساوي ما يتقاضاه طيلة عام كامل من العمل. ويذهب ماجد إلى بعقوبة ويقابل أشخاصا ويطلع على أوراق ويتلقى رسائل إلكترونية ويرسل مثلها بل ويتعرض لإطلاق رصاص عن قصد أو بالخطأ.. أحداث كثيرة جعلت ( الفعل أو الحدث ) هو البطل الحقيقي للرواية.

 

قد يرى البعض أن الرواية تنتمي إلى الأدب الپوليسي، لا أدري، ربما !!!! ولا أدري إن كان الأمر مقصودا أم لا من الكاتب، على كل الأحوال، لا يهم ذلك، طالما تحقق قدرا من الإمتاع قد نختلف في حساب نسبته أو درجته.

استخدم الكاتب لغة سهلة مرنة وهو ما أعطى الرواية جاذبية أضافت إلى التشويق والإثارة اللذان يحكمان أحداث القصة, كما طوعها ( اللغة) ببراعة في سرد الأحداث، قراءة اللوحات، الصور الشخصية، البورتريهات، الخطابات، البريد الإلكتروني وحتى في تحويل التسجيل الصوتي إلى لغة محكيّة وعبر أساليب الإحالات والاستدعاءات والإسقاطات كما أخذنا إلى أمكنة عديدة: مقاه، بساتين، فنادق، حجرات، ودُولا وجعلنا نعيش أجواء من صقيع، نوّات، رطوبة وحرارة أظنه قصدها كي ينقل إلينا بشكل غير مباشر الثنائيات الضدية التي تعتمر نفس محمود المرزوق. وكأن للأمكنة والأجواء مُخيلة أيضا.

 

أما الشخصيات التي قابلها ماجد البغدادي كانت شهودا أو بالأحرى مرايا عاكسة لشخصية المرزوق المضطربة المنقسمة والمفتتة ولذلك يجب ألا نندهش إذا رآه البعض وغدا ورآه البعض الآخر نبيلا.

أظن في واقع كل منا محمود المرزوق، أظن في نفس كل منا محمود المرزوق، آدم المسكين الممتلئ حد الدهشة بالخير والشر، بالكآبة والبهجة بالليل والنهار، بالحيوات المكشوفة وبالأخرى السرية.. تراچيديا محمود المرزوق تكمن في أنه كان مختلفا أو أراد أن يكون كذلك ولكنه اصطدم بعالم لا يعترف بالمختلفين وإن حدث فالدرجة والسقف مُحددان ومحسوبان وغير مسموح بتجاوزهما.

 

محمود المرزوق ذلك الرسام، القارئ، الكاتب، السياسي غير المنتمي، السجين السابق، زير النساء، وبائع الكتب كان ضحية حبه للجمال، ذلك الجمال الكائن في ثلاثية تراچيديته: المدينة، الكتاب، والمرأة وهو ما عبر عنه في ندوة اتحاد الكتاب عندما تحدث عن “الكُتب الآثمة، المُدن الآثمة، والنساء الآثمات.” محمود المرزوق الذي أراد أن يكون فاعلا، فإذ به مفعول به.

محمود المرزوق حقا وصدقا:

هو الرجل الذي يعدو،

بين ثنايا وطبقات الأرض

مُفتشًا عن رفات أجداده

عله يبعثهم من جديد

ليلقي على مسامعهم

السؤال نفسه

الذي فشلوا في إجابته، فماتوا

ثم مات هو بعدهم.

شارك مع أصدقائك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *