ماذا علمتني الزهور .. ا.د. هبة مهتدي

شارك مع أصدقائك

Loading

ماذا علمتني الزهور

بقلم ا.د. هبة مهتدي
منذ سنوات طويلة وانا عاشقة للزهور خاصة البنفسجية اللون وربما هذا يفسر لم اخترت يومًا ما أن تكون كل ورود الزينة في منزلي من اللون النفسجي. تليها مباشرة في القرب من قلبي الزهور البيضاء خاصة الجلاديولاس والفل والياسمين. بدأت تجاربي بزراعة الياسمين في شقتي بمصر الغالية منذ سنوات، وخضت تجارب عديدة فاشلة ثم أخيرًا نجحت احداها وفرحت بها ونشرت صور الياسمينة الرائعة على وسائل التواصل الاجتماعي ولكنها بعد ايام قليلة تدهورت ثم فجأة ماتت ولم افهم لم! لمت نفسي وقلت ربما كنت اسقيها اقل من اللازم أو اكثر من اللازم. اما الاصدقاء فلقد قالوا لي لم نشرتي صورها مؤكد ان احدهم قد حسدها. ضحكت وقلت “من هذا الذي سوف يحسد مجرد ياسمينة”؟ ثم هنا في حديقتي في استراليا قررت تكرار المحاولة مع الزهور البيضاء من نوع white peppermint iceوالبانسيه البنفسجيةPansies. قررت تنفيذ الارشادات المصاحبة لهما بدقة و بعد فترة ازدهرت الزهور البيضاء وصرت اتابع بشغف تفتح براعمها يومًا وراء، بينما ذبلت الزهور البنفسجية برغم أني اعطيتها نفس الرعاية ونفس الاهتمام ثم جفت تمامًا وماتت. ولكني لم افقد الأمل وظللت اسقيها وأرعاها لفترة وأخيرًا بزغت زهرة في الاصيص وملأني الأمل واذا بواحدة اخري تطل برأسها ثم لحقت بهم زهرة ثالثة وكانت سعادتي كبيرة لهذا بهذه الزهرات الجميلات. الغريب انها حين ماتت قلت لنفسي مؤكد لم اتقن رعايتها ثم راجعت نفسي فوجدت أني وفرت كل المطلوب لها من اضاءة وتهوية وتغذية وماء. ثم حين بدأت تزهر مرة أخرى فرحت بنفسي وصفقت لها وقلت هأنا انقذت الزهرات من الموت وعادت للحياة. وازداد اهتمامي بالزهرات البانسيه اكثر من كل الحديقة وكنت اتابعهم عن كثب كل صباح. وفجأة وفي اقل من يومين ماتت الزهرات تماما وكأنها كانت صحوة الموت لهم وكانت تلك مفاجأة غير سارة وغير متوقعة. لم افهمها وسألت خبير في هذا المجال ، تعجب ولم يجد تفسيرا لما حدث. بعدها بعدة أيام كنت اتناول قهوتي صباحًا ولفت نظري ان الزهور البيضاء قد استمرت برغم انها نالت نفس الرعاية و هناك أيضًا نباتات اخرى موجودة بالحديقة ولم تتطلب مني كل هذا الجهد والرعاية ولكنها نضرة وجميلة واحداهن ذات زهور حمراء ورائعة. تساءلت: كيف لم الحظ جمال هذه الزهور الحمراء من قبل؟ مع اني انا التي تراعي كل النباتات وكأن غشاوة كانت على عيني تجعلني افكر فقط في الزهور البنفسجية . حيرني ذلك التعلق بتلك الزهور، الأمر الذي دفعني الى القراءة عنها لأجد انها سميت بهذا الإسم اشتقاقاً من الكلمة الفرنسية pansies التي ترمز للتفكير وللفكر، والحكمة حيث تدعوك مشاهدة هذه الزهور إلى التأمل. وكان هذا منطقيًا إذ أن الأفكار ظلت تجوب في عقلي وانا اتابع زهوري الصغيرة. و من باب التأمل بدأ عقلي يربط ما حدث مع تلك الزهور بما يحدث في علاقاتنا مع البشر أو مع سائر معطيات الحياة والتي نتصور أحيانًا اننا كلما اهتممنا بها اينعت وازهرت وكان النجاح حليفنا. ودعني اسألك هل تصورت يومًا انك تستطيع انقاذ علاقتك بقريب او صديق او حبيب حتى في اللحظات الأخيرة وبعد ان ذبلت وجفت بمواظبتك على الاهتمام به ورعايته؟ هل استنفذت طاقتك في علاقة سلبية، او وظيفة لا تحبها، او مدينة لا تعجبك، أو سعيًا خلف حلم لا يناسبك؟ هل صرت تتأرجح في محاولات ارضاء فاشلة لشخص غير مناسب، او تبذل جهدك مع مدير لا يراك او تجبر نفسك على الحياة بطريقة لا تناسبك ولا تسعدك ثم بقيت تضحك على نفسك كلما انجزت نجاح محدود وتتصور ان هذا هو القطرة والتي هي اول الغيث ثم انتظرت ذلك الغيث فلم يأت بعدها أبدًا ؟ هل كانت علاقتك مع هذه الأشياء هذه مثل علاقتي بتلك الزهرات البنفسجية تعطيها كل الرعاية والماء والاضاءة المطلوبة فتزهر يومًا وتنطفيء ايام وانت مقتنع بأنك ستنجح في النهاية؟ للأسف مثل هذه المحاولات غالبًا ستبوء بالفشل وبعد ان تكون قد اضعت وقتك وعمرك وجهدك دون طائل. ان أفضل الدروس التي علمتني اياها الزهور كانت: اجتهد مثلما شئت ولكن النجاح والتوفيق بل والحياة كلها بيد الله وهناك اقدار مكتوبة لا علاقة لها بما تبذله من جهد. اجتهد في دراستك، في عملك، في تربية ابنائك، وفي الاهتمام بصحتك ومن حولك ولكن ليس هناك ضامنًا للنجاح في ايا منهم سوى المشيئة ولا راد لمشيئة الله. ستسألني ولم اجتهد اذن ؟ ولم احاول وانا لست ضامنًا للنتيجة؟ سأرد عليك واقول: اجتهد لأن هذا هو دورك في الحياة وواجبك الذي خلقت من اجله بل وحاول بكل الطرق ان تنجح ولا تيأس منذ المرة الأولي أو حتى بعد عدة مرات. فإن وفقك الله حصدت ثمار جهدك واينعت زهورك البنفسجية. وان لم توفق فعلى الأقل لن تندم وتقول ليتني حاولت وسيكون ضميرك مرتاحًا انك اعطيت لهذه العلاقة او الوظيفة او الحلم الذي تحلم به اكثر من فرصة. ولكن كن واعيًا وذكيًا فهناك أرض جرداء لن تثمر مهما فعلت وهناك نبات غير مقدر له النمو والاستقرار والأغرب من ذلك أنه قد يكون هناك ( نبات آخر ) يزهر في صمت وانت لا تشعر به ولا يحتاج منك سوى القليل من الرعاية حتى يزدهر و يسعدك. اجتهد واعمل ولكن لا تفرح كثيرا بالانجازات ولا تحزن كثيرا على الاخفاقات مثلما تعلمنا من الآية الكريمة “{لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}”صدق الله العظيم فلا يتملكك الغرور حين تنجح فتتصور انك عبقري ولا تجلد ذاتك حين تخفق وتظن انك فاشل. كن منطقيًا حلل اسباب النجاح والفشل بهدوء واعلم ان العمل مسئوليتك ولكن النتيجة بيد الله. وأخيرًا ثق ان الله يدخر لك زهورا حمراء تزهر في صمت وفي مكان ما قريب منك وقد تكون امامك ولكنك لا تراها ولا تشعر بها مع أنها قد تكون الأصلح والأبقى والأفضل . لذا انظر حولك جيدًا لترى زهورك الحمراء فهي هناك تنتظرك في مكان ما لتراها وتسعد بها وتعوضك عن زهورك البنفسجية.
Enter

Heba

شارك مع أصدقائك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *